ابن تيميه

44

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وإظهار العناد لهم غاية في الكفر ، فيكون كل من نهى عن هذا السفر كافرا . وقد نهى عن ذلك عامة أئمة المسلمين ، وإمامه مالك صرّح بالنهي عن السفر لمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، مع أن النذر يوجب فعل الطاعة عنده فلم يجعله مع النذر مباحا بل جعله محرما منهيا عنه لما سئل عمّن نذر أن يأتي قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال : إن كان أراد مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فليأته وليصلّ ، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل ، للحديث الذي جاء : « لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد » . ومذهبه المعروف في جميع كتب أصحابه الكبار والصغار ، كالمدونة لابن القاسم ، والتفريع لابن الجلاب ؛ أنه من نذر إتيان المدينة النبوية إن كان أراد الصلاة في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وفّى بنذره ، وإن كان أراد غير ذلك لم يوف بنذره . فالسفر إلى المدينة ليس عنده مستحبا إلا للصلاة في المسجد ، فأما من سافر إليها لغير ذلك ؛ كزيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أو زيارة قبور شهداء أحد ، أو أهل البقيع ، أو مسجد قباء ، فإن هذا السفر عنده منهيّ عنه فلا يوف بنذره ، فهذا مذهبه في كل منذور من السفر إلى المدينة سوى الصلاة في مسجده . ومسألة إتيان القبر بخصوصه داخلة في ذلك ، وقد ذكرها بخصوصها عنه القاضي إسماعيل بن إسحاق محتجا بذلك على ما ذكره فدل على ثبوت ذلك عنده عن مالك . قال في كتابه « المبسوط » لما ذكر قول محمد بن مسلمة : من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه ، قال القاضي إسماعيل : إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء ، لأن إعمال المطي اسم للسفر ، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، في نذر ولا غيره . وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إن كان أراد مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فليأته وليصلّ فيه ، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء : « لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد » . وهذا يوافق ما في المدونة وغيرها من الكتب ، ففي « المدونة » « 1 » وهي الأم في مذهب مالك : « ومن قال : للّه عليّ أن آتي المدينة أو بيت المقدس ، أو عليّ المشي إلى المدينة أو إلى بيت المقدس ؛ فلا يأتهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول : إلى مسجد الرسول أو مسجد إيليا ، وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما راكبا ولا هدي عليه ، وكأنه لما سماهما قال للّه عليّ أن أصلي فيهما ، ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته » . وهذه المسائل في الكتب الصغار والكبار ، وقد صرّح فيها أن من نذر المشي أو الإتيان إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أو بيت المقدس فلا يأتهما إلا أن يريد الصلاة في المسجدين .

--> ( 1 ) « المدونة » ( 1 / 471 ) وانظر « بداية المجتهد » لابن رشد ( 1 / 790 ) - دار الفكر - .